ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )
119
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )
( السبب الثاني ) أن يخرج المعنى الذي يريد إبطاله في صورة مستهجنة تنفر عنها القلوب ، وتنبوا عنها الأسماع ، فيسمى عدم الانبساط إلى الفساق : سوء خلق ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فتنة وشرا وفضولا ، ويسمون إثبات الصفات لكمال اللّه تعالى تجسيما وتشبيها وتمثيلا ويسمون العرش حيزا وجهة ويسمون الصفات أعراضا ، والأفعال حوادث ، والوجه واليدين أبعاضا ، والحكم والغايات التي يفعل لأجلها أعراضا ، فلما وضعوا لهذه المعاني الصحيحة ، تلك الألفاظ المستكرهة تم لهم تعطيلها ونفيها على ما أرادوا . فقالوا لضعفاء العقول : اعلموا أن ربكم منزه عن الأعراض ، والأغراض ، والأبعاض ، والجهات والتركيب ، والتجسيم ، والتشبيه ، ولم يشك أحد للّه في قلبه وقار وعظمة في تنزيه الرب تعالى عن ذلك . وقد اصطلحوا على تسمية سمعه وبصره وعلمه وقدرته وإرادته وحياته أعراضا . وعلى تسمية وجهه الكريم ويديه المبسوطتين أبعاضا . وعلى تسمية استوائه على عرشه وعلوه على خلقه تحيزا . وعلى تسمية نزوله إلى سماء الدنيا وتكليمه بقدرته ومشيئته إذا شاء ، وغضبه بعد رضاه ، ورضاه بعد غضبه : حوادث . وعلى تسمية الغاية التي يتكلم ويفعل لأجلها : غرضا . واستقر ذلك في قلوب المبلغين عنهم ، فلما صرحوا لهم بنفي ذلك بقي السامع متحيرا أعظم حيرة بين نفي هذه الحقائق التي أثبتها اللّه لنفسه وأثبتها له جميع رسله وسلف الأمة بعدهم ، وبين إثباتها . وقد قام معه شاهد نفيها بما تلقاه عنهم . فأهل السنة هم الذين كشفوا زيف هذه الألفاظ وبينوا زخرفها وزغلها ، وأنها ألفاظ مموهة بمنزلة طعام طيب الرائحة في إناء حسن اللون والشكل ، ولكن الطعام مسموم ، فقالوا ما قاله أمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه اللّه « لا نزيل عن اللّه صفة من صفاته لا جل شناعة المشنعين » . ولما أراد المتأولون المعطلون تمام هذا الغرض اخترعوا لأهل السنة ألقابا قبيحة ، وسموهم حشوية ، ومحيزة ؛ ومجسمة ، ومشبهة . ونحو ذلك . فتولد من